بســــــــــم الله الرحمن الرحيـــــــــم
ما هي الأسباب التي دفعت تركيا إلى التصعيد الآن مع سوريا؟
1. في الظاهر يعلن الأتراك هذه المواقف التصعيدية على لسان رئيس جمهوريتهم ورئيس أركان جيشهم بسبب اتهامهم سورية بدعم حزب العمال الكردستاني بقيادة عبد الله أوجلان. ولكننا نلاحظ أن سورية أنكرت دائماً هذا الدعم، ودعت تركيا إلى مناقشة المسائل الأمنية بين البلدين، وأن حزب العمال الكردستاني أعلن هدنة من جانب واحد في 31/8/1998 أوقف فيها عملياته العسكرية، ثم أكدها بتاريخ 27/9/1998 حين قال إنه يوقف عملياته شرط عدم تعرّض قواته للمهاجمة من الجيش التركي. فلا يوجد الآن تصعيد عسكري من جانب حزب العمال يبرر هذا التصعيد من المسؤولين الأتراك.
2. يرى كثير من المحللين السياسيين أن التصعيد التركي المفاجئ، هو أحد نتائج التحالف العسكري التركي الإسرائيلي. وهذا أمر محتمل لأن سورية الآن - ومعها لبنان الدولة والمقاومة - هي التي تواجه الغطرسة الصهيونية بالصمود السياسي والعسكري، طالما أن مسلسل التنازلات العربية والفلسطينية لا ينتهي، وآخرها قبول عرفات بـ 10 % من أراضي الضفة رضوخاً لشروط ناتانياهو. ورغم رفضنا المطلق للحلف العسكري التركي الإسرائيلي، إلا أننا لا نعتقد أنه هو السبب في هذا التصعيد لأن العالم كله يدرك أن صمود سورية والمقاومة لم يتأثر بأكبر من هذا الأمر، وهو تصعيد الولايات المتحدة نفسها فكيف يتأثر لهذه الهمروجة التركية؟ ولأن مثل هذه الحرب إن وقعت، فربما تكون سبباً في سقوط النظام العلماني في تركيا بالضربة القاضية. لأن الشعب والجيش لا يمكن أن يغفر لحكامه إقحامهم في معركة ليس لها أي مبرر، وهي تصدم مشاعر الناس وعقائدهم ومصالحهم.
3. الراجح عندي أن سبب هذا التصعيد هو الأوضاع الداخلية التركية، حيث يخوض الجيش مع النظام ومع العلمانية آخر معركة لهم ضد الشعب التركي المسلم. فبعد حل حزب الرفاه، وحرمان الأستاذ نجم الدين أربكان من حق العمل السياسي خمس سنوات وهو الذي كان رئيس أكبر حزب في البرلمان، ورئيس مجلس الوزراء. يأتي الحكم بالسجن على رئيس بلدية اسطنبول الأستاذ رجب طيب أردغان، لمجرد أنه ألقى قصيدة لشاعر عثماني متوفي، وهذه وتلك أكبر دليل على إفلاس العلمانية التركية في ساحة الصراع الفكري، وعلى تشبثها بمؤسسات الدولة (الجيش والقضاء والإدارة) لجعلها في مواجهة الخيار الشعبي.
لقد كانت قضية محاكمة أردغان والحكم عليه لهذا السبب، وقبلها فضيحة علاقة المسؤولين بالمافيات والتي أدت إلى استقالة الوزير أيوب عاشق، وطالت أسماء كثير من المسؤولين، ويمكن أن تصل إلى ديميريل نفسه، هي السبب في هذا التصعيد التركي، وذلك من أجل إلهاء الناس عن هذه الفضائح بافتعال معركة خارجية، خاصة وأن الانتخابات المقبلة ستجري في أوائل عام 1999 وأن النظام بحاجة إلى (قضية كبيرة) تبرر تأييد الناس له، أو تشكل غطاء لتزوير إرادتهم، بعدما أصبح نجاح الإسلاميين شبه مؤكد، وهو أمر ممنوع.
4. لهذه الأسباب فإني لا أعتقد أن الأمور تسير نحو حرب فعلية شاملة يدرك النظام التركي أنها ربما تكون نهاية له، وإن كانت تخدم السياسة الصهيونية والأمريكية. ولكن ربما أقدم هذا النظام على عمليات محددة على الحدود مع سورية، أو ضد ما يعتقد أنها قواعد لحزب العمال الكردستاني في سهل البقاع اللبناني، وذلك حتى يحقق بعض أهدافه الداخلية. فالتصعيد مع سورية عمل خارجي، ولكن مبرراته ونتائجه تدخل ضمن الصراع السياسي الداخلي في تركيا بين العلمانية والإسلام.
5. المطلوب عربياً موقف حازم ومسؤول يبدأ بمصالحة تشمل جميع الدول العربية، ويتطور إلى إحياء التضامن العربي في السياسة الخارجية تجاه جميع الدول، ويصل إلى إلغاء كل اتفاقات السلام المزعوم مع العدو الصهيوني، والرجوع عن محاولات التطبيع معه، واستئناف الجهاد لتحرير كل فلسطين.