بســــــــــم الله الرحمن الرحيـــــــــم
الموقف من الدين :
يرمي مشروع الرئيس الياس الهراوي - وكذلك مشروع الحزب القومي السوري وقبلهما مشروع الأستاذ جوزف مغيزل سنة 1995 - وغيره من مشاريع الزواج المدني الاختياري أو الإلزامي إلى الإجازة للبناني أياً كان دينه أن يخضع لأحكام مدنية في أحواله الشخصية تخالف أحكام الدين صراحة.
ثم يذكر الرئيس الهراوي في الأسباب الموجبة للمشروع التأكيد الشديد على أن (المعتقدات الدينية، وتقاليد الطوائف اللبنانية وأنظمتها، والتطلّعات الروحية السامية لدى أبناء الشعب اللبناني تظل جديرة بكل حماية واحترام). وهذا تأكيد لما نصّت عليه المادة التاسعة من الدستور اللبناني التي تشير إلى أن الدولة اللبنانية (تضمن أيضاً للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية).
ولكن من حق المواطن أن يتساءل : كيف يوضع تشريع مدني اختياري يشجّع الناس على مخالفة أنظمة الأحوال الشخصية في أديانهم، ثم يقول أصحابه إنهم يؤكّدون على احترام هذه الأنظمة وحمايتها، فضلاً عن تأكيدهم أنهم يحترمون الأديان ولا يخالفونها؟
إنه تناقض عجيب لا يمكن أن يقبله أي إنسان عنده قدر من المنطق مهما كان قليلاً. ولو أردنا أن نعرف سبب هذا التناقض لوجدناه واضحاً في موقف هـؤلاء من الدين، هذا الموقـف يشكّل خلفية فكرية توجد عند أصحاب المشروع قناعة به وبمنطقيته، ولذلك نجد من المفيد أن نحلل هذه الخلفية ونشرحها فيما يلي :
أولاً : تعريف الدين :
الدين في اللغة هو الطاعة. تقول : (دان) له بدين (ديناً) أي : أطاعه. ومنه الدين، والجمع أديان. (راجع مختار الصحاح للرازي وغيره من قواميس اللغة).
أما في الاصطلاح فسنحصر كلامنا عن الدين في المصطلح الغربي، وفي المصطلح الإسلامي فقط.
الدين في الأصل هو : إيمان بإله خالق للكون والإنسان والحياة، ثم عبادة هذا الخالق وطاعته.
هذا التعريف يشمل من حيث الأصل كل الأديان. لكن الذي جرى في أوروبة منذ قيام حركة النهضة أن وقع صدام مرير بين هذه الحركة وبين الدين. ذلك أن المسيحيين كانوا قد أسسوا صرح عقائدهم الدينية على نظريات الفلسفة والعلوم اليونانيتين، وما كانوا ليتحمّلوا نقداً أو بحثاً أو تفكيراً فلسفياً لا ينسجم مع هذه المسلّمات، وما كانوا ليسمحوا بتحقيق علمي يظهر به خطأ جزء مما جاء به الإنجيل وفسروه على ضوء الفلسفة اليونانية في باب حقيقة هذا الكون ومنزلة الإنسان فيه. وعلى العكس من ذلك كان العلماء المتأثرون بالنهضة الجديدة، كلما ازدادوا تقدماً في مضمار التحقيق والنقد، قاومهم رجال الكنيسة مستخدمين كل ما بيدهم من النفوذ السياسي والديني. وهكذا ظهر العداء بين الطرفين وازداد نمواً وانتشاراً، وأصبح الدين ذاته في اعتقاد حملة العلوم الجديدة نوعاً من الدجل والتزوير. وامتد الصراع بعد ذلك فشمل حقول السياسة والاقتصاد والنظام الاجتماعي، وانتهى بهزيمة الكنيسة وإقامة نظام جديد للحياة كان من أهم أركانه :
عزل الدين عن كل شعبة من شعب نظام الحياة الجديد، وحصره في نطاق العقيدة الشخصية والأعمال الفردية. فهو شأن فردي بحت، والإنسان حر أن يعتقد بالله أو لا يعتقد، ويمكنه إذا اعتقد أن يلتزم في حياته الشخصية بتعاليم الدين. أما الحياة الاجتماعية - ومنها الزواج - فلا تنظم إلاّ بعيداً عن الدين وتعاليمه. (بتصرف عن كتاب موجز تاريخ تجديد الدين وإحياؤه لأبي الأعلى المودودي)
هكذا أصبح الدين - في الاصطلاح الغربي - يعني الإيمان بالله وعبادته. ودور الكنيسة هو تنظيم هذه العبادة. أما القيم الأخلاقية والتوجيهات الاجتماعية فيمكن للمتديّن الالتزام بها فردياً إن شاء.
في المجتمع الإسلامي تختلف الأمور تماماً.
- فالإسلام لغة يعني الاستسلام لأمر الله، وهذا تأكيد لمعنى الدين اللغوي وهو الطاعة.
- والإسلام في المصطلح عقيدة وشريعة. العقيدة في القلب وهي تشمل الإيمان بجميع جوانبه. والشريعة هي ما شرعه الله لعباده من أعمال وأنظمة تتناول كل جوانب الحياة، كالعبادات والمعاملات وأحكام الأسرة والأنظمة السياسية والاقتصادية وغيرها.
- في التاريخ الإسلامي لم يحصل أي صراع بين العلم والدين. ورغم أن الفلسفة اليونانية والرومانية ترجمت إلى العربية واطلع عليها المسلمون إلا أنها لم تترك أي أثر ذا بال على المجتمع الإسلامي. ورغم أن الفلسفة الغربية الحديثة القائمة على عزل الدين عن المجتمع قد ترجمت أيضاً إلى العربية ووجدت شريحة من المثقفين المتغرّبين تؤمن بها وتدعو لها، إلا أنها لم تستطع أن تؤثّر في أعماق المجتمع. ومع أن كثيراً من الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين تبنّتها بشكل أو بآخر وفرضتها على الأمة فرضاً، ولكنها لم تفلح في تغيير الهوية الإسلامية الضاربة في الأعماق. وبقيت الشعوب تختار الإسلام شريعة لحياتها كلّما أتيح لها الاختيار.
- وفي موضوع الأحوال الشخصية، لم يشعر المجتمع الإسلامي بالحاجة إلى استبدال الأحكام الشرعية القائمة، وذلك مرده ببساطة إلى انسجامها مع الفطرة. وحتى الأنظمة العلمانية المفروضة بقوة العسكر - وهي فقط في تونس وتركيا - لم تستطع أن تخرج عن هذه الأحكام إلاّ في مسائل معدودة تأثّرت فيها بالنظرة الغربية كمسألة تعدد الزوجات، وبقيت في مجمل أحكامها الأخرى تستلهم الأحكام الشرعية باعتبارها تمثل عمق المجتمع وفلسفته.
يقول الأستاذ أنور الجندي في كتابه (معلمة الإسلام) صفحة 185 [المكتب الإسلامي ط ثانية 1980] "ومن هذا كله نعرف أنه لا يجوز الخلط بين الواقع الديني في أوروبة والواقع الإسلامي. وذلك لاختلاف المفاهيم والتطبيقات والظروف. بل لاختلاف فهم كلمة الدين نفسها.
والواقع أن الدين في تاريخ أوروبة، قد اختلط بالكنيسة وامتزج بالأسطورة، وغلبت عليه في العصر الحديث دعوات الإلحاد والإباحية وغيرها. فله موقفه ودفاعه. وقد افتقرت بعض الأديان إلى تعاليم دنيوية لتنظيم الحياة الاجتماعية، فاضطرت إلى إيجادها. بينما لم يجد المسلمون أنفسهم في حاجة إلى ذلك، نظراً لما يذخر به القرآن الكريم والحديث الشريف من أصول منهج متكامل لبناء الفرد والمجتمع.
ومن هنا كان الدين في الإسلام من مصادر التوجيه، ولن يكون مفهوم الإسلام أبداً أنه دين عبادة واتصال بالله فحسب، ولكنه كذلك ومضاف إليه أنه منهج حياة ونظام مجتمع، وتشريع اجتماعي وأخلاقي كامل".
ثانياً : موقف المشروع المقترح من الدين :
- يتبنّى الرئيس الهراوي - وسائر العلمانيين - التعريف الغربي للدين. وهذا التعريف مقبول في المجتمعات الغربية التي قامت أصلاً على أساسه. ولكنه مرفوض في المجتمع اللبناني الذي يعتبر جزء من المجتمع العربي الإسلامي الكبير، والذي يعتبر الإسلام شريعة لتنظيم الحياة، بالإضافة إلى أن النصارى المتدينين الذين يأخذون بالتعريف الغربي في أكثر مجالات الحياة الاجتماعية، يستثنون منها مسألة الأحوال الشخصية. فيكون الأمر مرفوضاً في المجتمع اللبناني بأكثريته الساحقة.
- ومن هنا يرى أكثر اللبنانيين أن كلام الرئيس الهراوي عن حماية واحترام المعتقدات الدينية والتقاليد الاجتماعية والتطلّعات الروحية، وكلامه المتكرر أن مشروعه ليس ضد الدين وليس إلغاء للدين، وكذلك كلام مؤيدي المشروع في هذا المجال. كل هذا الكلام غير صحيح على الإطلاق. وإذا أقنعوا أنفسهم به فلأنهم أعطوا الدين تعريفه الغربي الذي يحصر مجال عمل الدين في الحياة الفردية. أما المجتمع اللبناني الذي يرفض هذا التعريف فلا يمكنه إلاّ أن يعتبر هذا المشروع ضد الدين ومحاولة لإبعاده عن مجال التشريع لحياة الأسرة. ويعتبر كلام الرئيس مناقضاً لمشروعه. وليس إلاّ من قبيل تخدير مشاعر المتدينين.
- وحتى لو قبل الناس هذا التعريف الغربي للدين فهذا ليس من حقّهم. لأننا كمسلمين على الأقل، ونظن أن إخواننا المسيحيين على هذا الرأي أيضاً، نعتقد أن الذي يحدد معنى الدين هو الله عز وجل وليس الناس حتى ولو كانوا مؤمنين به، فكيف إذا لم يكونوا كذلك. والله تعالى يقول : {إِنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} سورة آل عمران - الآية 19. أي أن الدين هو الاستسلام لأمر الله وطاعته فيما شرع. ويقول : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} سورة آل عمران - الآية 85. والمعنى : أن من يكون دينه غير الاستسلام لله وطاعته، فلن يقبل منه في الآخرة. ويقول : {قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرّسُولَ فإِن تَوَلّوْاْ فَإِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْكَافِرِينَ} سورة آل عمران - الآية 32. أي أنه جعل عدم الطاعة لله وللرسول سبباً للكفر. وغير ذلك مـن الآيات كثير حتى نكاد نقول : إن كل آيات القرآن الكريم تدور حول هذا المعنى.