بســــــــــم الله الرحمن الرحيـــــــــم
كثيرون هم الدعاة إلى الله، منهم من يكتفي بالدعوة في حدود بلده وبين أهله ومواطنيه، ومنهم من يجوب الأرض شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً داعياً إلى الله تعالى، ولكن الدعاة الموفّقين، الذين يتحرّكون على بصيرة، والذين يحرصون على الكلمة الطيّبة والحوار المفيد، والجدال بالتي هي أحسن، قليلون جداً، ومنهم بلا جدال الأخ الحبيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله من كل سوء، وأمدّ في عمره الميمون عسى أن يقطف بنفسه ثمار نجاحه في دعوته بإذن الله.
والواقع أني لم أذهب إلى بلد من بلاد الدنيا إلاّ ورأيت أن الأخ القرضاوي قد سبقني إليه، ولم يترك بعده إلاّ الأثر الحسن الذي يتركه الدعاة الحكماء. فمن أوروبا بأكثر دولها، إلى أمريكا بشمالها وجنوبها، إلى أستراليا فضلاً عن آسيا وأفريقيا وهما القارّتان الأساسيّتان اللتان تضمّان أكثر البلاد الإسلامية، في كل هذه البلاد كانت المؤتمرات الإسلامية تعقد على مدار السنة، ولم يكن القرضاوي يتخلّف عن مؤتمر إلاّ إذا كان مشغولاً بمؤتمر آخر، وما كان يرتاح من سفر حتى يستعدّ إلى رحلة جديدة يلتقي فيها بإخوانه المسلمين، ويشعّ عليهم ببعض ما أعطاه الله تعالى من فقه كتابه الكريم، ويرشدهم دائما إلى التزام الأحكام الشرعية الإسلامية بأصالة عميقة ويسر كبير وعلم غزير.
ولقد شاء الإخوة الذين أكرموني بهذه الكلمة أن يقسّموا موضوع المؤتمرات الإسلامية بيني وبين الأخ الكريم الدكتور جمال بدوي. ولم تقم بيننا مراسلة للاتفاق على توزيع الموضوعات حتى لا تتكرّر. ولكنّي رأيت أن الأخ الدكتور جمال بدوي سيتحدّث بلا شك عن المؤتمرات الإسلامية الصافية، بينما يمكنني أن أتحدّث عن نوع آخر من المؤتمرات كان لي شرف حضورها والمساهمة في أعمالها مع الأخ الكريم الدكتور القرضاوي وخاصّة منها المؤتمر القومي الإسلامي الذي عقد في بيروت خلال شهر جماد الأول سنة 1415 هـ ـ تشرين الأول 1994 م. ولذلك فإني سأقتصر كلمتي حول هذا المؤتمر عسى أن تكشف جانباً مهمّاً من شخصية الدكتور القرضاوي، وعسى أن تقدّم للمسلمين فكراً نهضوياً وسطياً في مجال العمل الوطني والسياسي المعاصر في بلاد العروبة والإسلام.
الحوار القومي الإسلامي :
وممّا لا شكّ فيه أن الحوار بين الإسلاميين والقوميين قد بدأ قبل انعقاد ذلك المؤتمر بفترة طويلة، بل يمكننا أن نقول إن كثيراً من الكتّاب الإسلاميين منذ بداية عصر النهضة وفي أعقاب التحرّر من الاستعمار قد تناولوا قضايا العروبة بواقعية كبيرة، كما أنّ بعض الكتّاب القوميين تناولوا قضايا الفكر الإسلامي بتفهّم أكبر، إلاّ أن الصراع العنيف بين الفئتين خلال الأربعينات والخمسينات والستينات أبعد كل حوار معقول بين الطرفين خاصّة في أعقاب الصراع العنيف في الخمسينات والستينات بين الإسلاميين من جهة وبين القوميين وفي مقدّمتهم الناصريين من جهة ثانية. وبعد نكسة الخامس من حزيران سنة 1967 وخلال فترة السبعينات انفتح الحوار على استحياء بين الطرفين الإسلامي والقومي، ثم أخذ مركز دراسات الوحدة العربية المبادرة وعقد ندوة للحوار بين الطرفين في بيروت في شهر كانون الأول سنة 1980 اشترك فيها من الإسلاميين الدكتور محمّد عمارة والمستشار طارق البشري والدكتور أحمد كمال أبو المجد والأستاذ منير شفيق وذلك تحت عنوان : "القومية العربية والإسلام". ثم عقدت ندوة "الحوار القومي الإسلامي" في القاهرة في شهر أيلول ـ سبتمبر سنة ،1989 وقد اشترك فيها الشيخ محمّد الغزالي رحمة الله والمستشار طارق البشري والدكتور أحمد كمال أبو المجد والأستاذ راشد الغنّوشي والدكتور عصام العريان والأستاذ فهمي هويدي والدكتور محمّد سليم العوّا. وقد طبعت أعمال هاتين الندوتين في كتابين صدرا عن مركز دراسات الوحدة العربية وهما : "القومية العربية والإسلام" و "الحوار القومي الديني".
واستمرّ الحوار والتفاعل بين التيّارين الإسلامي والقومي حتّى انعقاد المؤتمر القومي الإسلامي الأول في بيروت سنة 1994 والذي يعتبر معلماً بارزاً على طريق التعاون بين هذين التيّارين.
المؤتمر القومي الإسلامي الأول :
ولقد جرى في هذا المؤتمر عرض رؤية إسلامية لحال الأمّة، ورؤية قومية لحال الأمّة.
ولقد اشترك الدكتور يوسف القرضاوي في إعداد ورقة العمل حول الرؤية الإسلامية لحال الأمّة وذلك مع الدكتور محمّد عمارة والدكتور محمّد سليم العوّا والأستاذ فهمي هويدي. ورغم أن ورقة العمل هذه من إنتاج اللجنة الرباعية، إلاّ أننا نستطيع القول إن فكر الدكتور القرضاوي حفظه الله كان ذا أثر كبير في كثير من هذه الورقة.
وإذا كان المجال في هذه الكلمة القصيرة لا يتّسع لنشر الورقة كلّها، فإننا سنقتصر على ذكر أهمّ النقاط فيها باعتبارها تعبّر عن فكر الدكتور القرضاوي في هذا الموضوع، وتشكّل نبراسـاً مضيئاً للعاملين في حقل الدعوة الإسلامية في حوارهم مع القوميين. وهذا أبرز ما ورد في ورقة العمل :
1 - التياران القومي والإسلامي هما اللذان يعبّران في الأمّة العربية اليوم عن مناهج الأصالة : تحديداً للهوية، وبناءً للذات، ومواجهة للآخرين. والتحدّيات التي تواجه الأمّة العربية والأمة الإسلامية داخلياً وخارجياً تدعو هذين التيّارين إلى التقارب والالتقاء على مواضع الوفاق في سعيهما إلى تحقيق النهضة، والخروج من أسر الهزيمة، وإحياء الأمل في نجاح المشروع الحضاري المتميّز للأمّة العربية، وهو مشروع لا يمكن أن ينفصل عن نهضة إسلامية عامّة، ولا يتصوّر قيامه دون الارتباط بعرى وثيقة مع الفكر والتوجّه الإسلاميين. وللعروبة في هذا المشروع الحضاري دور متميّز وملحوظ.
2 - وفي نظر التيّار الإسلامي يأتي هذا اللقاء مع التيّار القومي في إطار تعاضد القوى الرافضة لمحطّط الهيمنة الغربية والاستسلام لمطامع العدو الصهيوني، اللذين كسبا مساحات واسعة من القبول الرسمي على المستوى الحكومي العربي كرّسته الاتفاقات بين العدو الصهيوني وبين منظمة التحرير الفلسطينية ثمّ بينه وبين الأردن. وقد اتسعت شريحة المثقّفين والمفكّرين الذين يؤيّدون الاستسلام لهذا الواقع الجديد. ولم يعد متمسّكاً بموقف الدفاع عن الهوية المتميّزة للأمّة العربية سوى التيّار الإسلامي والتيّار القومي.
3 - واستنهاض القوى الفاعلة في الأمّة كلّها لأداء فريضة المقاومة لمحاولات الهيمنة عليها والتمكين لعدوّها، واجب لا يدّخر التيّار الإسلامي جهداً في أدائه، ولا يترك سبيلاً يؤدّي إليه دون أن يسلكه، عملاً بالأمر القرآني : وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة [سورة الأنفال، الآية : 60]. والأمل كبير في أن يكون اللقاء المستمر بين التيّارين الإسلامي والقومي من وسائل تحقيق هذا الواجب، وأن يؤدي دوره في تحقيق استنفار شعبي عام في مواجهة المخطّطات الجاري تنفيذها على أرض الواقع.
4 - ولأن التحدّيات على درجة من الخطورة غير مسبوقة في تاريخنا المعاصر، ولأن الانهيارات في الجبهات العربية تتوالى بسرعة مخيفة، فإن التيّار الإسلامي لا يرى أي جدوى من إنفاق الأوقات التي تخصّص لهذه اللقاءات في مناقشة الماضي، أو محاولات كل تيّار لتبرئة ساحته ممّا يرميه البعض به من تهم. وإنّما الذي نراه مجدياً ومؤثّراً هو أن يتطلّع المفكّرون والقياديون المجتمعون إلى الحاضر والمستقبل. يحاولون في الحاضر مقاومة الاستسلام الرسمي لمحاولات الاستتباع والإضعاف وقهر الإرادة الوطنية. ويحاولون في المستقبل صنع الوسائل الكفيلة بتغيير الواقع المر، وباستعادة السيادة الوطنية، واستقلال القرار العربي، وفرض الحق على الناكبين عنه والرافضين له.
5 - واللقاء الحضاري العربي الإسلامي ليس مقتصراً على التيّارين الإسلامي والعربي في هذا الوطن، بل هو لقاء أكثر شمولاً يصل بين الأمّة العربية باتباع مختلف الأديان فيها، وبين العالم الإسلامي على اتساعه وترامي أطرافه، وهي صلة يقوى بها العرب والمسلمون جميعاً، ويتجدّد عطاؤهم الحضاري للإنسانية، ويساوون ـ إن لم يفوقوا ـ بجمعهم وإمكاناتهم المادية والمعنوية الكتل الحضارية المتصارعة في الغرب والشرق.
6 - وهذا المفهوم للقاء العربي الإسلامي يقود إلى إيضاح حقيقة مهمّة، هي أن العربي مهما كان انتماؤه الفكري وعقيدته الدينية، لا يملك التفريط في اعتزازه بالانتساب إلى الحضارة الإسلامية. فالعروبة وعاء الإسلام، ومحضن نصّه المقدّس : القرآن الكريم، وهي جامع تحدّده اللغة العربية، وهو لذلك يشع نطاقه كل يوم بازدياد المتكلّمين باللسان العربي، فإن العربية ـ في مأثورنا ـ ليست من أحدنا بأب ولا أم، ولكن من تكلّم بلسان العرب فهو عربي. وبناءً على ذلك فإن الاعتزاز بالإسلام قوّة لكل عربي، والانتماء إليه : ديناً للمؤمنين به، وحضارة لأهل غيره من الأديان، نصرة لقضايانا العربية كلّها. إن هذا اللقاء يفتح أبواب التفاهم الاستراتيجي بين التيّارين القومي والإسلامي حول القضايا التي يجب حسمها في سبيل صياغة مشروع للنهضة العربية في مواجهة محاولات ترسيخ الاستغلال والاستتباع للصهيونية والغرب.
7 - وأولى هذه القضايا هي قضية المرجعية الإسلامية العامّة لهذه الأمّة. فالتيّار الإسلامي يرى أن هذه المرجعية لا تكون إلاّ للإسلام، وبالإضافة إلى الالتزام الديني الذي يقوم عليه موقف التيّار الإسلامي من هذه القضية ـ وغيرها من القضايا ـ فإن النزول عند القاعدة الديموقراطية التي تجعل للأغلبية حق اتخاذ القرار في الشؤون العامّة، يقتضي حيث يكون المسلمون هم الأغلبية، وحيث يكون أبناء الديانات الأخرى قد عبّروا خلال قرون متعاقبة عن قبولهم للأساس الحضاري الإسلامي، أن تكون شريعة الإسلام هي مصدر المرجعية العامّة للمشروع الحضاري لهذا الوطن.
8 - وليس بدعاً أن تدعى الأمّة كلّها بتيّاراتها كافّة، إلى إعلان القبول بالمرجعية الإسلامية العامّة لمشروع نهضتها، فقد شهدت السنين العشر الأخيرة تراجع المذهبيّات الغربية المنكرة للدين أو غير المكترثة به، وتقدّم الأفكار والمشاريع ذات المرجعية الدينية. وطبيعي أن تكون المرجعية العامّة لمشروع النهضة العربية هي المرجعية الإسلامية. ويتضمّن ذلك لزوماً وضرورة، الحرص على أهل غير الإسلام من أديان، والرعاية لكامل حقوقهم في المواطنة، ولحرّيتهم العقيدية والتعبّدية، ولحقوقهم في التنظيم الأسري والاجتماعي المستمدين من دينهم.
9 - ويتصل بهذه المسألة ضرورة تحديد موقف التيّار القومي من العلمانية التي ينادي بها البعض بديلاً للالتزام الديني على مستوى العمل الوطني والقومي، ومستوى النضال العربي ضد الصهيونية وصانعيها وصنائعها. إذ ليس صحيحاً من الناحية الفكرية ولا من الناحية التاريخية أن هناك رابطاً أو تلازماً بين القومية العربية والعلمانية، بل إن التميّز القومي العربي خرج في الواقع من عباءة الفكر الإسلامي وتاريخ نضال علمائه. والتيّار الإسلامي يرى أن قبول مبدأ التعددية الفكرية والسياسية، يفرض معارضة الأفكار التي مؤدّاها (نفي الآخر)، فالإسلاميون لا يريدون حرمان غيرهم من حقّهم في التعبير عن رأيهم. لكن المهم هنا أن يقرّ الجميع أن العلمانية ليست مرادفاً للديمقراطية، ولا هي ضرورة من ضروراتها، ولا هي إحدى آليّاتها. فكل ذلك غير صحيح، والبحث العلمي المحايد يثبت عدم صحّته.
10 - ولا يسع التيّار الإسلامي هنا إلاّ أن يقرّ أن ما تتهم به الدعوة العلمانية تيّار التديّن في العالم كلّه، لا ينطبق على مفاهيم التيّار الإسلامي للعمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي. بل إن المفاهيم التي ينطلق منها التيّار الإسلامي تتنافى كل التنافي مع مأخذ العلمانية على التيّار الديني العالمي :
فالإسلاميون يقفون موقف العداء والانتقاد من تيّار الجمود الفكري. وينطلقون من المبادئ الإسلامية الخالدة التي تقرّر :
أن الله تبارك وتعالى خلق لعباده ما في الأرض جميعاً [سورة البقرة، الآية : 29].
وأن الناس "أعلم بشؤون دنياهم" (وأنه حيث ما كانت المصلحة فثمّ شرع الله ودينه) و (أن ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن).
وأنه حيث يثبت حكم شرعي يقيني، فإن تطبيقه هو عين المصلحة، إذ أن الدين كلّه مبني على (جلب المصالح وتحقيقها).
ويلازم ذلك أن (دفع المفسدة مقدّم على جلب المصلحة).
وأن القاعدة القرآنية في إباحة الضرورات للمحظورات : فمن اضطرّ غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم [سورة النحل، الآية : 115] قاعدة عامّة تعمل في مجالات الحياة كلها.
"وأن الحكمة ضالّة المؤمن أنّى وجدها فهو أولى الناس بها".
بـ ـوالتيّار الإسلامي يؤمن بضرورة استمرار العمل العلمي على هدي من مبدأ الاجتهاد المقرّر في الإسلام. ومن مسلّمات الفقه الإسلامي أن النصوص المحدودة لا يمكن أن تتسع لحكم الوقائع المتجدّدة غير المحدودة. وقد قرّر النبي صلّى الله عليه وسلّم هذا المبدأ في وقائع عديدة، من أشهرها قوله لعمر بن العاص : "إن الحاكم إذا اجتهد فحكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فحكم فأخطأ فله أجر" ومن كان فعله دائراً بين الأجر والأجرين فإنه خير كله. ولا يجوز للأمّة القعود عنه والركون إلى تقليد السابقين الذين قدّموا لأزمانهم ما صلح به حال الناس، ولكنهم ليسوا معنا الآن ليعلموا ما الذي يصلح به حالنا، وما الذي تستقيم به شؤوننا، فلا مناص من الاجتهاد الشرعي في كل أمر يحتاج إلى حكم جديد. ولا يستطيع القيام بهذا الاجتهاد إلاّ المؤهّلون علمياً للقيام به. وبذلك يتبيّن أن كل الذي تأخذه العلمانية بمفهومها الغربي على الدين والتديّن ليس له علاقة من قريب أو بعيد، بمفاهيم التيّار الإسلامي الذي ينطلق منها عمله، ولا بمفاهيمه التي تقوم عليها عقيدته، ولا بتعاليمه التي يبثّها في الأجيال المتتابعة من المنتمين إليه.
11 - ومن القضايا الجوهرية عند التيّار الإسلامي قضية الموقف من الغرب. وموقف التيّار الإسلامي من هذه القضية مستمدّ من الأمر الربّاني الصريح : قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألاّ نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون [سورة آل عمران، الآية : 64]. والوصول إلى كلمة سواء لا يكون إلاّ بالحوار الحرّ المخلص الذي يبتغي كل طرف فيه الوصول إلى الحقيقة. إن مشروعنا الحضاري يستمدّ أسسه من عقيدتنا وقيمنا وثقافتنا وتقاليدنا، وهو مشروع واجب الاحترام. وإن كل ما يقوله الغرب من دعاوى الإيمان بالتعددية السياسية لا يقوم على ساق إذا لم يحترم الغرب التعددية الحضارية والثقافية كاحترام التعددية السياسية سواء بسواء. فالموقف الإسلامي من الغرب هو موقف تقدير الاختلاف واحترامه والحوار البنّاء حول قضاياه. وعلى نقيض ذلك كان ولا يزال الموقف الغربي من الحضارة الإسلامية رفضاً مستمرّاً وعداء مستحكماً بلغ قمّته بزرع الكيان الصهيوني في أرضنا العربية، ولا يزال عند موقفه منه، تأييداً مطلقاً في جميع المجالات على حساب الحقوق العربية. وللخروج من هذا الموقف فإن التيّار الإسلامي يدعو إلى حوار مستمرّ مع القوى الفاعلة في الغرب حول احترام الحضارات لبعضها، واحترام الغرب بوجه خاص لسعينا نحو تحقيق مشروعنا الحضاري الذاتي.
12 - والتعددية عندنا سنّة من سنن الله في الكون : ألم ترَ أنّ الله أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها، ومن الجبال جدد بيضٌ وحمرٌ مختلفٌ ألوانها وغرابيب سود، ومن النّاس والدّواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك [سورة فاطر، الآية : 27 ـ 28]. وهي سنّة من سنن الله وآية من آياته في البشر : ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إنّ في ذلك لآيات للعالمين [سورة الروم، الآية : 22]. وهي سنّة من سنن الله في الشرائع والحضارات : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً، ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة، ولكن ليبلوكم في ما آتاكم، فاستبقوا الخيرات، إلى الله مرجعكم جميعاً فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون [سورة المائدة، الآية : 48].
13 - ويشعر التيّار الإسلامي بأن هناك محاولات دائبة من بعض القوى الغربية لاختراق حواجز الوحدة الوطنية في الوطن العربي، بمحاولة تصوير مشروع النهضة الإسلامي ـ العربي على أنه مشروع يهدر حقوق غير المسلمين. ولمواجهة مخاطر هذه المحاولات يدعو التيّار الإسلامي إلى حوار إسلامي مسيحي عربي، لحمته استثمار الصلات الحميمة بين أبناء الوطن الواحد على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم، وسداه أن يتفق الجميع على أن أمن العربي غير المسلم جزء لا يتجزّأ من أمن العربي المسلم.
14 - وموقف التيّار الإسلامي من قضية الإصلاح الاقتصادي وتوزيع الثروة الوطنية هو موقف الانحياز العلني الصادق إلى أهل الحاجة في مواجهة المحتكرين للثروة والناهبين إيّاها. هؤلاء المحتكرون الذين أصبحوا جماعات مصالح متشابكة يعملون عبر الأقطار. وإن مقاومة نفوذهم من أهمّ قضايا العمل الوطني. وإن دستور الإسلاميين فيها أن المال لا يجوز أن يكون دُولة بين الأغنياء، وأن عطاء القادرين من أصحاب الكسب الحلال ليس على سبيل الصدقة المستحبّة أو الزكاة الواجبة فحسب، وإنّما يتجاوز ذلك إلى ضرورة أن يحمل أهل كل منطقة فقراءهم "فليس منّا من بات شبعان وجاره جائع". أمّا الذين ينهبون الثروات من حرام، فليس لمالهم حرمة ولا كرامة. وعلى الدولة أن تترجم هذه القاعدة إلى سلوك عملي تشريعي وتنفيذي.
15 - ويعاني العالم كلّه موجات الانحلال الخلقي التي تتمثّل في شيوع التحلّل من القيم، وفي ذيوع آفة الإدمان. والتيّار الإسلامي يقف هنا مع القوى المتمسّكة بالأخلاق والقيم في مواجهة التحلّل والانفلات. ولا يحمي شبابنا من صرعة التقليد الأعمى لموجات الفساد إلاّ التركيز على تميّزنا الثقافي والحضاري الذي يقوم أولاً على الدين. وإذا كان الغلوّ أو التطرّف الفكري هو أحد الأمراض التي يعانيها كثير من شباب الأمّة، فإن أحد أسباب هذا التطرّف هو ردّة الفعل لدى الشباب المتديّن ضد انحلال الشباب المستهتر. وعلاج ذلك في رأينا أن يكون السلوك العلني العام في المجتمع خالياً من مثيرات هذا الغلوّ ومسوّغاته. ومهما حاول الدعاة أن يعيدوا الشباب المتطرّف إلى منهج الوسطية الإسلامية، فإن محاولاتهم لا ثمرة لها ما لم يجتثّ المجتمع بواعث هذا التطرّف، ومن أهمّها وأولاها المقاومة المستمرّة للانحلال الخلقي.
16 - ويود التيّار الإسلامي أن يحدّد موقفه من تفشّي ظواهر العنف والإرهاب الفردي والجماعي، وهو يرى ابتداءً أن العنف ليس وسيلة للتغيير لا في مجال الأوضاع الاجتماعية والسياسية أو الاقتصادية، ولا في مجال القناعات الفكرية أو العقيدية. إن الإرهاب الذي تمارسه بعض الجماعات وبعض الأفراد، وينسب كثير منه بالحق حيناً وبالباطل أحياناً، إلى مذهب أو آخر من مذاهب الفكر الإسلامي، أو إلى جماعة أو آخرى من جماعات الإسلام. هذا الإرهاب كلّه لا علاقة له بالإسلام، ولا يتأيّد فعله بأي نص من نصوصه أو مبدأ من مبادئه. والتيّار الإسلامي الفكري والحركي القائم فعلاً والمشارك واقعاً في الحياة السياسية والاجتماعية بريء من هذا الارهاب ومن المؤمنين بجدواه والواقعين في حبائله.
وإلى جانب ذلك فإننا نعتقد أن العنف والإرهاب اللذين تمارسهما بعض الحكومات ضد معارضيها خطأ لا يقلّ عن خطأ إرهاب الأفراد والجماعات. وحين يبلغ الإرهاب الحكومي حد تعذيب المعتقلين وقتل المعتقلين السياسيين فإنه يصبح جريمة ضد حقوق الإنسان. والتيّار الإسلامي ينكر ويستنكر العنف والإرهاب سواء أتى من الأفراد أو من الجماعات أو الحكومات، ويدعو الجميع إلى مواجهته وإدانته ومحاسبة المسؤولين قبل أن يتحوّل إلى فتنة تأكل الأخضر واليابس.
17 - ولا بد من التفرقة بين العنف والإرهاب الداخلي المحرّم شرعاً، وبين العنف المشروع، وهو العنف في مقاومة العدو الغاصب. والتيّار الإسلامي يقف بكل قواه وراء هذه المقاومة ويدعو جميع القوى الوطنية إلى الوقوف وراءها بلا تردّد ولا تحفّظ، خاصّة وهي تعيش الآن أحرج اختبار لها في مواجهة ما يسمّى بسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية. وإن الجهاد الذي جعله النبي صلّى الله عليه وسلّم ذروة سنام الإسلام ماضٍ إلى يوم القيامة، ومن أظهر صوره مقاومة المحتل الغاصب ومن يمكّنون له سبيل البقاء في أرضنا واغتيال حقوقنا المشروعة. ولذلك فإن التيّار الإسلامي والتيّار القومي مطالبان بتقوية شوكة المقاومة الفلسطينية الباسلة في الداخل والخارج. والشعوب لا تسقط بسقوط بضعة أشخاص. والأمم لا تلتزم بإرادة حفنة من المهزومين داخلياً. والاتفاقات السياسية ما لم تعبّر عن الحقائق الواقعية والتاريخية والحضارية فإن مصيرها كمصير الذين يبرمونها إلى زوال وعدم.
18 - ولا بد أن نذكر جميعاً أن الإسلام هو رسالة الأمّة العربية إلى الناس كافّة. وليس من العدل أن يقف بعض أبناء هذه الأمّة موقف الريب أو الشك فضلاً عن العداء لمصدر قوّتنا ومكمن عزّتنا وسرّ تميّزنا على الأمم الأخرى. وواجب المفكّرين وأهل الرأي في التيّارين القومي والإسلامي هو البحث عن نطاق التلاقي والعمل المشترك لرفعة هذه الأمّة. ولندرك أننا بما نمثّله من استجابة للتحدّي القائم أمام أمّتنا، ومن محاولة استدعاء مقوّمات أصالتها وتميّزها، ومن عمل على استنهاض طاقتها وقدرتها. لندرك أننا في ذلك كلّه أمّة من دون الناس، ولنعمل معاً غير متدابرين ولا متنافرين ليوم يفرح فيه المؤمنون بنصر الله، فإن الله لا يضيع أجر العاملين (1).
هذا هو ملخّص ورقة العمل التي قدّمها الإسلاميون إلى المؤتمر القومي الإسلامي الأول والتي شارك فيها الدكتور يوسف القرضاوي.
أما في أعمال المؤتمر، فقد كان لكلمة الدكتور القرضاوي تأثير كبير، ولذلك أجد من المفيد أن أنقلها كما وردت في وثائق المؤتمر القومي الإسلامي الأول المنشورة في الكتاب الصادر عن "مركز دراسات الوحدة العربية" في تمّوز ـ يوليو 1995.
(1) هذا الملخّص لورقة العمل التي قدّمت إلى المؤتمر القومي الإسلامي الأول والتي تضمّنت عرض الرؤية الإسلامية لحال الأمّة، نقلت باختصار وتصرّف عن كتاب : "المؤتمر القومي الإسلامي الأول" الذي أصدره مركز دراسات الوحدة العربية سنة ،1995 ونشر فيه كل وثائق المؤتمر ومناقشاته وقراراته.
وأخيراً لا بدّ من الإشارة بأنّ هذه الأفكار التي أثارها الدكتور يوسف القرضاوي من خلال ورقة عمل الإسلاميين، ومن خلال كلمته في المؤتمر القومي الإسلامي تشكّل أفكاراً متقدّمة جداً على طريق نجاح الحركة الإسلامية المعاصرة في تبنّي قضايا الأمّة كلّها، باعتباره الطريق الوحيد لإنقاذ هذه الأمّة بالإسلام، ولإنقاذ الحركة الإسلامية نفسها من الدوران في حلقة مفرغة من الجدل النظري العقيم، إذا لا حياة لأيّة حركة عقائدية شعبية إلاّ من خلال تفاعلها مع قضايا النّاس، كما أنه لا حياة لهذه الأمّة العربية إلاّ بالإسلام. وأتمنّى أن تجد هذه الأفكار طريقها إلى شباب الصحوة الإسلامية في العصر الحديث، وأن تجد قبولاً أيضاً لدى تيّارات الأمّة المختلفة لنسير معاً في طريق النهوض من الواقع المتخلّف، وبناء حياة عزيزة كريمة في ظل الإسلام العظيم.