بسـم الله الرحمـن الرحـيم
المفاهيم الأساسية للدعوة الإسلامية في بلاد الغرب
مقـدّمـــة - الفصل الأوَل : العاطفة - الفصل الثاني : الفكر - الفصل الثالث : أحكام متعلَقة بالقتال - الفصل الرابع : الإسلام أو الجزية أو القتال - الإكتفاء بالدعوة
المقدّمـــة
الحمد الله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد ..
يعيش المسلمون اليوم في بلاد الغرب أزمة فكرية شديدة ناتجة عن قناعتهم بكثير من الأفكار التي تلقّوها في بلادهم الشرقية، وهي تتعارض تماماً مع ظروفهم الجديدة في ديار الغرب، ومع مصالحهم الكثيرة فيها. وقد حصل الكثيرون منهم على جنسية تلك البلاد، فلم يعد من السهل مطالبتهم بالرجوع إلى بلادهم. كما أنّ الكثير منهم أصبح يقيم هناك بشكل دائم لسبب أو لآخر، فضلاً عن أنّ كثيراً من أبناء الغرب الأصليين قد اهتدوا إلى الإسلام، وليس من المعقول أن نطالبهم بترك أوطانهم في ظروف الحرية التي يتمتّعون بها هناك وأن يلتحقوا ببلاد المسلمين.
وجميع هؤلاء بحاجة إلى ثقافة إسلامية أصيلة تنظّم عيشهم في مجتمعات غير إسلامية.
وهذه دراسة متواضعة حول هذا الموضوع، أسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، إنّه سميع مجيب.
|
المستشار الشيخ فيصل مولوي |
نحن جزء من المجتمع الذي نعيش فيه:
إنّ المسلم جزء من أمّته الإسلامية، وعلى هذا الأساس فمن الطبيعي أن يفكّر بمشاكلها، وأن يشعر بهمومها وأحزانها، وأن يتفاعل معها.
ولكنه حين اختار العيش في ديار الغرب، اختار أن يكون جزءاً من هذا المجتمع الذي يعيش فيه، فيجب عليه أيضاً أن يفكّر في هذا المجتمع: في قضاياه وهمومه ومشاكله من وجهة نظره الإسلامية، وهذا هو الذي يفرض عليه أن يبحث في شؤون الدعوة الإسلامية في هذه البلاد.
إن الاهتمام بقضايا الأمّة الإسلامية في الشرق سيكون عند الكثيرين هنا مجرّد اهتمام نظري لا طائل من ورائه، طالما أننا لا نستطيع أن نقدّم لبلادنا شيئاً ملموساً، بينما الواقع الذي نعيشه في بلاد الغرب إذا تفاعلنا معه يمكننا أن نقدّم له ولدعوتنا فيه شيئاً ملموساً. إننا إذا أغفلنا هذا الواقع، وبقينا مشدودين إلى بلادنا الأصلية، فسيكون الخسران نصيبنا في الحالتين: نتكلّم عن بلادنا ولا نقدّم لها شيئاً يذكر، ونهمل واقعنا ولا نقدّم لدعوتنا فيه شيئاً أيضاً.
نحن لا ندعو - بل لا نفكّر - أن نتخلّى عن أيّة قضية من قضايا أمّتنا، لكننا نريد أن نحسّ بالواقع الذي نعيش فيه، وأن ندرك أن هذا الواقع يفرض علينا ممارسة دعوية هامّة جداً، يمكن أن يكون لها أثر على مستقبلنا في هذه البلاد، أو على مستقبل هذه البلاد بالنسبة للدعوة الإسلامية.
تراث مخلوط بشوائب:
لقد جاء المسلمون من بلادهم بتراث هائل جداً، فيه من الإسلام النقي الشيء الكثير، ولكن فيه أيضاً الشيء الكثير مما ورثوه عن أجدادهم من عصور التعصّب والتخلّف. هناك الكثير من المواقف والمشاعر والأفكار التي لا تعبّر عن الإسلام في هذا العصر. وقد تكون مفيدة في وقتها ومناسبة له، لكنها لا يمكن أن تكون صورة الإسلام في هذا العصر، ومع ذلك حملناها في قلوبنا وعقولنا إلى هذه البلاد ونحن نظنّ أنها جزء من الإسـلام لا ينفكّ عنه، بينما هي في الحقيقة جزء من تاريخنا لا أكثر، وإذا كانت مقبولة من أجيال الأمّة السابقة فليس حتماً علينا أن نقبلها في هذا العصر، اللهمّ إلاّ لو كانت من ثوابت الإسلام القاطعة، وأنّى لها أن تكون؟
لقد ظلّت أفكارنا وعواطفنا مشدودة إلى أمور خلافية كثيرة في المجالات التاريخية والفكرية والفقهيّة، ولا يمكن أن نتحرّك في هذا المجتمع بهذا الركام من التراث تحرّكاً دعوياً مثمراً. إنّ هدفي في هذه الدراسة هو أن أوضح أهم الأسس التي تتناول الدعوة في بلاد الغرب. هناك إشكالات شرعية كثيرة، وكذلك هناك مئات وآلاف من الأسئلة، تدور حول تعامل المسلم في الغرب مع المجتمع الذي يعيش فيه، فلو اختصرنا الجواب وأوضحنا الأساسيات لهان الأمر، واستطاع كلّ منّا أن يفتي لنفسه في كثير من المسائل. إنَ ممارسة الدعوة في هذه البلاد تحتاج إلى فهم صحيح لمسألتين أساسيتين، لا يمكن بدونهما أن تكون هناك دعوة. المسألة الأولى: العاطفة، والمسألة الثانية: الفكر.