بســــــــــم الله الرحمن الرحيـــــــــم
ما كنت أرغب بالرد على الشيخ عبد الله العلايلي في كل اجتهاداته، خاصة بعد أن توفاه الله. ولكن ما نشر له في جريدة السفير بعنوان (أطوطميون أنتم أم فقهاء) وهو مأخوذ من كتابه (أين الخطأ)، تأييداً لمقالة الأستاذ وجيه كوثراني حول الزواج المدني، بطرح الموضوع من الزاوية الفقهية، ويشكك بحصول الإجماع على تحريم زواج المسلمة بغير المسلم، ويناقش استدلال الفقهاء على ذلك مناقشة أصولية. لذلك رأيت من الواجب تبياناً للحقيقة أن أناقش أقواله بهدف معرفة الحكم الفقهي، أما الزواج المدني الذي يطرح اليوم كقضية ومناقشة آراء الأستاذ كوثراني حولها فله مجال آخر.
وأحصر ردي في النقاط التالية :
1. إجماع الفقهاء على القول بعدم حلية زواج المسلمة من كتابي ليس إجماعاً متأخراً، بل هو حاصل من أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته لوجود الدليل القطعي على ذلك من القرآن الكريم والسنة المطهرة، وقد أورد الشيخ العلايلي نفسه هذه الأدلة فيما بعد. والدليل على ذلك أنه لم ينقل في كتب التاريخ والسيرة أو غيرها حصول حادثة واحدة أقرّ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقاء مسلمة زوجة لغير مسلم بعد نزول آية التحريم في سورة الممتحنة. وإذا كان الشيخ العلايلي قد توفاه الله فلا نستطيع أن نطلب منه، فإني أطالب جميع المفكرين والمؤرخين والفقهاء إذا وجدوا مثل هذه الحادثة ولو في رواية ضعيفة أن يذكروها. وإلا فإن المؤكد وجود الإجماع على هذه المسألة منذ عهد الرسول الأكرم وصحابته.
2. الآية الكريمة في سورة البقرة : {ولا تَنكحوا المشركات حتى يؤمنّ. ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم. ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا. ولعبد مؤمنٌ خيرٌ من مشركٍ ولو أعجبكم} [الآية 221].
وقد ناقش العلايلي استدلال الفقهاء بهذه الآية. ونحن نورد آراءه ونناقشها فيما يلي :
أ. (إن التعبير بكلمة مشرك يجعلها خاصة المورد، والتعبير بكلمة خير مفادها التفضيل).
ورد في القاموس المحيط للفيروزبادي وغيره من القواميس : [أشرك بالله : كفر فهو مشرك] فكلمة المشرك تشمل لغة كل كافر، ولا يمكن أن تكون خاصة كما قال، وهو لم يأت بأي دليل على ذلك، فهي إذاً عامة تشمل جميع الكافرين حتى يأتي دليل آخر على التخصيص، وقد ورد بعد ذلك في آية المائدة.
ب. أما أن التعبير بكلمة خير مفادها التفضيل فهذا صحيح لو أن الآية الكريمة اقتصرت عليها. أما أن تبدأ الآية بالتحريم {ولا تَنكحوا المشركات} - {ولا تُنكحوا المشركين} فقد أصبحت كلمة (خير) بياناً لسبب التحريم. وهذا معروف في النظم القرآني إذ غالباً ما يذكر الحكم، ويذكر معه سببه. ولبيان السبب هنا حكمة أخرى وهي أنه قد يتبادر إلى ذهن المسلم والمسلمة أن تحريم الزواج المختلط سببه أن المشركين والمشركات شرّ محض، وقد يؤدي ذلك إلى الامتناع عن أي تعامل معهم، وهذا خطر كبير على مبدأ التواصل البشري، لذلك بيّن الله تعالى أن الخير موجود حتى عند المشركين والمشركات وبالتالي فإن التعايش والتواصل معهم غير ممنوع، أما الزواج منهم فهو ممنوع رغم ما قد يكون عندهم من الخير، لأن الخير عند المسلمين أكبر.
ت. إن كلمة (خير) وصف لواقع أما الحكم فقد نصت عليه (لا الناهية) بوضوح، فكيف لا تكون هذه الآية دليلاً في هذا الموضوع، وهل هناك لفظة للتحريم في اللغة أشد من (لا الناهية)؟
ولو أننا أكملنا نص الآية الكريمة لوجدنا أن (خير) لا يمكن أن تعني هنا التفضيل بين أمرين كلاهما خير، بل هي تعني التفضيل بين أمر يدعو إلى النار وآخر يدعو إلى الجنة، وهل يمكن للمسلم أن يختار أمراً يدعو إلى النار؟ أو أن يعتبر هذا الأمر خيراً بالمطلق؟ قال تعالى : {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا. ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم. أولئك يدعون إلى النار، والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه …}.
ث. يقول العلايلي عن هذه الآية إنه (لا قائل بأنها تفيد للمنطوق مفهوم الموافقة وجوباً كما لا تفيد لمفهوم المخالفة تحريماً). وأجد نفسي مضطراً لشرح هذه العبارة فقد تعبت في فهمها وأنا صاحب إلمام بعلم أصول الفقه فكيف بالقارئ العادي؟
¨ إن لكل جملة منطوق ومفهوم. فالمنطوق ما ينص عليه اللفظ الصريح كقولك : لا تلعب، فالمنطوق هو منع اللعب وهو مفهوم الموافقة. أما لو قال المدرّس في الصف لأحد الطلاب : لا تلعب فهو ينهاه بالمنطوق عن اللعب ولكن يفهم من كلامه أنه يطلب منه الانتباه للدرس. هذا الطلب ليس منطوقاً به، ولكنه يفهم بمفهوم المخالفة الذي يعني عند الأصوليين [أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والعكس صحيح].
وقد أجمع الأصوليون على الأخذ بمفهوم الموافقة في المنطوق، واختلفوا في الأخذ بمفهوم المخالفة.
- والعلايلي يريد أن يقول كما فهمت حول الآية المذكورة : (إن مفهوم الموافقة في الآية وهو يعني وجوب عدم زواج المسلم من مشركة وعدم زواج المسلمة من مشرك لم يقل به أحد. وبالتالي فإن الآية لا تفيد التحريم بمفهوم المخالفة).
وواضح أن هذا الكلام غير صحيح لأن الآية الكريمة حسب منطوقها وهو مفهوم الموافقة تمنع الزواج المختلط وتنهى عنه وتحرّمه. وأن التحريم فيها ليس استنتاجاً من النص حسب قواعد مفهوم المخالفة، بل هو صريح النص وظاهره الذي لا يجادل فيه إلا مكابر.
ج. يقول العلايلي : (ولو سلّمنا مع الفقهاء بالوجهين المذكورين. أي أن كلمة مشرك تعني مجازاً، المخالف في الدين، وتشمل أهل الكتاب. وأن كلمة خير تتضمّن حكماً. لكان على الفقهاء أن يحرّموا الزواج مع المخالف بوجهيه. وإلا لزمهم الجمع بين الحقيقة والمجاز. وهذا خلف أي باطل.
ولا يستقيم لهؤلاء القول بأن آية البقرة الواردة في المشركات، مخصصة بآية المائدة الواردة في الكتابيات، لما يلزمه أيضاً من الجمع المذكور المردود.
وليس أبداً من باب [عموم المجاز] المقبول أصولياً. وهو يعني : استعمال اللفظ في معنى كلي شامل للمعنيَين الحقيقي والمجازي. وذلك لعدم توفّر شروطه).
هذا قول العلايلي بنصه، وأقول :
إن كلمة مشرك تعني كل مخالف في الدين وكل كافر حقيقة وليس مجازاً، إذ هذا هو معناها اللغوي كما ذكرت نقلاً عن القاموس المحيط، وبالتالي فهي تشمل أهل الكتاب حكماً. وإن كلمة خير لا تتضمّن حكماً بل هي وصف لواقع، أما الحكم فهو مأخوذ من (لا الناهية). أما قول العلايلي : (إن التسليم بهذين الوجهين يوجب على الفقهاء تحريم الزواج المختلط بوجهيه) فهو صحيح، والفقهاء بناءً على هذه الآية يحرّمون الزواج المختلط بوجهيه. ولكنهم يبيحون زواج المسلم من غير المسلمة بناء على آية المائدة وقد نزلت بعد آية البقرة فيعتبرونها مخصصة لها. وهي قوله تعالى : {اليوم أُحلّ لكم الطيّبات. وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلٌّ لكم. وطعامكم حِلٌّ لهم. والمحصنات من المؤمنات. والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب}. وإذا كانت هذه الآية الكريمة قد أحلت للمسلم أحد وجهي الزواج المختلط، وهو زواج المسلم من كتابية، فقد بقي الوجه الآخر، وهو زواج المسلمة من كتابي محرّماً بالآية الأولى. أما القول بأن اعتبار آية المائدة مخصصة لآية البقرة يؤدي إلى الجمع بين الحقيقة والمجاز فهو قول مخالف لأبسط قواعد اللغة والمنطق، ومن المستغرب أن يقع فيه مثل العلايلي الذي يعتبر مرجعاً في اللغة العربية، ذلك لأن الحكم المأخوذ من الآيتين الكريمتين إنما يعتمد النص الواضح وهو حقيقة لا دخل للمجاز فيها. ولكن يظهر أن العلايلي يقصد إلى إباحة الزواج المختلط نتيجة لموقف سابق عنده، ويريد ليّ تفسير الآيات الكريمة ليستنتج منها الموافقة على هذا الموقف، معتمداً على علمه الواسع باللغة العربية، ولكن أنّى له هذا والله تعالى الذي حفظ آيات القرآن الكريم بنصوصها حفظ أيضاً معناها وتفسيرها بقواعد فهم النصوص التي توافق عليها علماء التفسير واللغة جميعاً.
3 أما آية الممتحنة وهي قوله تعالى :
{يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمناتُ مهاجراتٍ فامتحنوهنّ. الله أعلم بإيمانهنّ. فإن علمتموهنّ مؤمناتٍ، فلا ترجعوهنّ إلى الكفار. لا هنّ حلّ لهم ولا هم يحلّون لهنّ … ولا تمسكوا بِعِصَمِ الكوافر}.
فيقول العلايلي عنها :
إنها خاصة المورد بدار الشرك فقد نزلت بعد صلح الحديبية.
إنها صيانة للمسلمات المهاجرات من الارتداد والاضطهاد بالإرجاع.
إنها تتعلّق بالمهاجرات، فإذا عطف عليها حديث (لا هجرة بعد الفتح) انتفت الصفة وبانتفائها ينتفي الحكم.
الكفر هنا لا يفسر إلا بالشرك فقط حتى لا يقع التناقض بينها وبين آية المائدة.
ولا يمكن الاعتماد هنا على القاعدة الكلية الأصولية [العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب] لأن الآية واردة بخصوص اللفظ.
وعلى التسليم بأنها من هذا الباب فإنها تعني الناجيات إيماناً من أي دار شرك في حال الاضطهاد الديني أو احتماله.
ونقول جواباً عن ذلك :
¨ إن الآية نزلت بعد صلح الحديبية فعلاً، وبمناسبة قدوم بعض المسلمات مهاجرات وطلب قريش استردادهنّ بناءً على الشرط الوارد في صلح الحديبية، وامتنع الرسول صلى الله عليه وسلم عن إرجاعهنّ إلى قريش بناءً على هذه الآية. هذه هي مناسبة نزول هذه الآية. والمفسّرون لا يعتبرون أية آية خاصة بمناسبة نزولها إلا إذا وردت قرينة من نص الآية نفسها أو من الواقع تفرض ذلك، وإلا فإن القاعدة الكلية عندهم أن [العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب].
ونقـول بالإضـافة إلى ذلـك إن هنـاك قرينتين تؤكـدان أن المقصـود عمـوم اللفـظ لا خصوص السـبب :
الأولى : قوله تعالى في وسط الآية المذكورة مبيّناً سبب الحكم بعدم إرجاع النساء المهاجرات {لا هنّ هلّ لهم ولا هم يحلون لهنّ}، ولم يقل إن سبب ذلك الخوف من ارتدادهنّ ولا من تعرّضهنّ للاضطهاد، مع أن هذا الأمر حاصل أو محتمل. مما يؤكد أن عدم الإرجاع سببه تحريم بقاء رباط الزوجية حتى ولو لم يكن هناك خوف من الارتداد أو الاضطهاد.
الثانية : آية البقرة السابقة نفسها التي تحرّم الزواج المختلط بوجهيه، فهي قرينة قاطعة على أن سبب عدم الإرجاع هو تحريم البقاء على الزواج المختلط، طالما أن آية البقرة حرّمت الابتداء بهذا الزواج.
- إن الحكم المأخوذ من الآية الكريمة عام لكل مسلمة وليس مقتصراً على المهاجرات بدليل القرينتين المذكورتين. ومن العجيب أن يعطف على هذه الآية حديث (لا هجرة بعد الفتح) لأنه يتعلّق بالثواب الخاص للمهاجرين لا أكثر، وينال مثل هذا الثواب كل مجاهد خلصت نيّته ولكنه لا يسمّى مهاجراً ولو ترك بلده فراراً بدينه، بعد أن أصبح اسم المهاجر خاصاً بمن هاجر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا أردنا أن نعتبر هذا الحكم خاصاً بالمهاجرات وأن الهجرة قد انتهت فمعنى ذلك أن أية مسلمة تتعرّض للاضطهاد في دينها بسبب زواجها من غير مسلم وإقامتها معه في بلاد الكفر يجب عليها أن تبقى مع زوجها، لأن التفريق بينهما حكم خاص بالمهاجرات وهي ليست مهاجرة.
- أما القول بأن الكفر هنا لا يمكن تفسيره إلا بالشرك فقط، لا مطلق المخالفة في الدين، فيرده تفسير الفيروزأبادي في القاموس المحيط لكلمة الكفر بأنها ضد الإيمان. فكل من لم يؤمن بأركان الإيمان وهي (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر) فهو كافر، وبالتالي فإن كلمة الكفر ككلمة الشرك تشمل كل من لا يكون مسلماً، وإن كان أهل الكتاب فئة خاصة من هؤلاء لها أحكامها الخاصة ومنها المؤاكلة والتزاوج بالشروط الشرعية.
¨ ولا يمكن القول بأن هذا التفسير يؤدي لتناقض هذه الآية مع آية المائدة، إذ تبقى هذه الآية حكماً عاماً شبيهاً بحكم آية البقرة، وكلاهما خصص بآية المائدة التي اختارت أهل الكتاب من بين الكفار والمشركين وأعطتهم حكماً خاصاً.
- أما قول العلايلي بأنه (لا يمكن الاعتماد هنا على القاعدة الكلية الأصولية [العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب] بحجة أن الآية واردة بخصوص اللفظ). إن هذا القول يهدم القاعدة كلها، إذ من السهل على أي إنسان أن يقول عن أية عبارة وردت بسبب خاص أنها وردت بلفظ خاص. ثم بأي منطق، وبأي فهم لغوي يمكن اعتبار النص {لا هُنّ حِلّ لهم ولا هم يحلّون لهنّ} لفظاً خاصاً؟ إنه لفظ عام يقيناً وإن ورد بمناسبة سبب خاص. يدرك ذلك من له أدنى إلمام باللغة العربية.
- وأعجب من ذلك قوله : (وعلى التسليم بأنها من هذا الباب - أي عموم اللفظ وخصوص السبب - فإنها تعني الناجيات إيماناً من أي دار شرك في حال الاضطهاد الديني أو احتماله). يا سبحان الله كيف ينسجم التسليم بأنها من [عموم اللفظ وخصوص السبب] مع الإصرار بأن اللفظ خاص بالناجيات إيماناً من دار الشرك في حال الاضطهاد الديني أو احتماله. إما أن يسلّم الإنسان بأن اللفظ عام وبالتالي فإن معناه (عدم حِل الزواج المختلط بوجهيه بشكل مطلق)، وإما أن يعتبر اللفظ خاصاً بالناجيات من الاضطهاد ومعناه (عدم حِل الزواج المختلط حين الخوف من الاضطهاد فقط). إن التلاعب بالألفاظ واستخدامها على غير معناها لا يفيد ولو جاء من أحد أعلام اللغة. ثم لنناقش هذا الرأي. إذا كان الحكم الشرعي بتحريم الزواج المختلط مبنياً على الاضطهاد الديني فما هو الضابط لهذا الاضطهاد؟ هل هو الضرب أو المنع من تأدية الواجبات الدينية أو الإلزام بالارتداد أو ماذا؟ ومن المعروف أن الحكم الشرعي يبنى دائماً على ضابط واضح محدّد. ما هو الضابط الذي اعتمده الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل تنفيذ هذا الحكم الشرعي؟ هل سأل إحدى المهاجرات عن الاضطهاد الذي تعرّضت له؟ نريد خبراً واحداً ولو ضعيفاً حتى يمكن الأخذ بهذا التفسير. أما أن يكون التحريم مبنياً على احتمال الاضطهاد فهذا أمر تتنزّه عنه القوانين الوضعية فضلاً عن الأحكام الإلهية. لأن احتمال الاضطهاد مقياس يختلف باختلاف الأفراد وأمزجتهم وصبرهم، وباختلاف البيئات مما يجعل الحالة نفسها حراماً حيناً وحلالاً حيناً آخر، وهذا محال.
4.آية المائدة :
{اليوم أُحلّ لكم الطيّبات. وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلٌّ لكم. وطعامكم حِلٌّ لهم. والمحصنات من المؤمنات. والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ..}
الآية صريحة واضحة كما يقول العلايلي في حلّية الطعام بالتبادل. أما في الزوجية فهي صريحة في حلّيتها بين مسلم ومحصنة من أهل الكتاب فقط. هكذا فهم الفقهاء قاطبة. ولكن العلايلي يفهم منها أيضاً حِلّ زواج المسلمة من غير المسلم. وحجته في ذلك :
أن الآية خارجة مخرج الاكتفاء، فهي بعد أن نصّت على حلّية التبادل في الطعام بوجهيه عطفت عليه الزوجية كذلك.
وأما الاحتجاج بأن الاقتصار في مقام البيان يفيد الحصر، فليس بوارد مع العاطف.
وقياس المسكوت عنه من النكاح على المنطوق به من الأكل أولى.
وهذه كلية قررها ابن رشد في بداية المجتهد في غير هذا المطلب ولكن يمكن تطبيقها عليه.
وجواباً على ذلك نقول :
- إن الآية الكريمة نصّت على حلية تبادل الطعام بوجهيه، ولكنها لم تعطف عليه الزوجية بإطلاق، بل عطفت عليه حالتين محدّدتين فقط هما الزواج من المحصنات المؤمنات، والزواج من المحصنات الكتابيات. فكيف يظن أن العطف كان مطلقاً والآية قد حدّدته بحالتين فقط؟
- والمقام هنا يتطلّب البيان يقيناً لورود آيتي البقرة والممتحنة وكلاهما تحرّم الزواج المختلط بإطلاق، فهي إذاً تحرّم زواج المسلمة من غير المسلم، وعندما يكتفي الشارع هنا بإباحة زواج المسلم من كتابية، فمعنى ذلك أنه أبقى زواج المسلمة من كتابي على التحريم الأول، ولو أراد غير ذلك لصرّح به. ولا يقال إن التصريح ليس ضرورياً بسبب وجود العاطف. لأن العطف هنا ليس مطلقاً بل هو مقيّد بإحدى الحالتين حسب النص الصريح.
- أما القول بأن قياس المسكوت عنه من النكاح على المنطوق به من الأكل أولى فهو غريب جداً، لأن نكاح المسلمة من غير المسلم ليس مسكوتاً عنه، بل وردت فيه آيتا البقرة والممتحنة، والأولى تعبّر عن غير المسلم بلفظ المشرك، والثانية بلفظ الكافر، والقرآن نفسه بيّن أن لفظ الكفر ينطبق على أهل الكتاب فهو يقول صراحة : {لقد كفر الذين قالوا : إن الله هو المسيح بن مريم. قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمّه ومن في الأرض جميعاً. ولله ملك السموات والأرض وما بينهما. يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير} [المائدة : 17]. {لقد كفر الذين قالوا : إن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلاّ إله واحد، وإن لم ينتهوا عمّا يقولون ليمسّنّ الذين كفروا منهم عذاب أليم} [المائدة : 73]. إذاً فالقياس هنا باطل لأن حكم النكاح ليس مسكوتاً عنه، وآيتا البقرة والممتحنة صريحتان في عدم إباحة زواج المسلمة من كافر أو مشرك وهذا يشمل أهل الكتاب يقيناً بالنص الصريح لكثير من الآيات منها ما ذكرناه آنفاً، ومنها قوله تعالى : {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنّم، أولئك هم شر البرية}. [سورة البيّنة]. هل هناك أوضح من هذا الكلام؟ فكلمة الذين كفروا تشمل أهل الكتاب والمشركين.
- وأما أن هذه كلية قررها ابن رشد في بداية المجتهد فقد رجعت إلى هذا الكتاب الجزء الأول صفحة 342 من طبعة دار المعرفة التي في مكتبتي فلم أجد أية إشارة إلى هذه القاعدة، ولعل رقم الصفحة يتعلّق بطبعة أخرى. ولم يحدد الباب أو الموضوع حتى يمكن الرجوع إليه. وابن رشد يرى كغيره من الفقهاء عدم حلية زواج المسلمة من غير المسلم. وإذا كان قد ذكر مثل قاعدة العلايلي في مطلب آخر فهو نفسه لم يطبقها في موضوع الزواج، فيكون الاستشهاد به في غير محله ولإيهام القارئ بأن ابن رشد يؤيّد العلايلي في هذا الرأي.
ختاماً أقول : لقد حرصت على المناقشة الموضوعية ليفهم الجميع أن العلايلي في دعواه هذه لم يخالف فقط إجماع العلماء في الماضي والحاضر، وإنما خالف أيضاً مبادئ المنطق وأصول الفقه وأصول التفسير، بل وأصول اللغة العربية التي يعتبر من أعلامها. سامحه الله وغفر لنا وله. ونؤكد أن الإجماع منعقد قديماً وحديثاً حول هذا الموضوع مهما شذّ بعض الناس لأنه مبني على النص الواضح. ومهما تعسّف البعض في التفسير والاجتهاد، فإن وضوح النص يجعل الحكم الشرعي معروفاً للجميع.