بســــــــــم الله الرحمن الرحيـــــــــم
منذ أكثر من عشرين سنة لم أذهب إلى بيت الله الحرام حاجاً! وفي نيّتي أن أفسح المجال لكثير من المسلمين ولا أزاحمهم على أداء هذه الفريضة، وكنت أستعيض عن ذلك بأداء العمرة بين وقت وآخر. ولكنّ الحجّ له معانٍ أخرى، تحيي القلوب الميتة، وتحفز الهمم الجامدة، وتحرّك العواطف الهامدة، كيف لا وهو نداء ابراهيم الخليل عليه السلام، الذي انطلق من مكة المكرّمة وراح يجوب في جميع أنحاء الأرض على اختلاف الزمان والمكان، فيلبّيه النّاس من كل مكان وَأَذِّن في النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [الحج ـ 27] .وفي الأثر أن إبراهيم عليه السلام قال لربّه : "وأين يبلغ صوتي؟" فأجابه رب العالمين : "عليك النّداء وعلينا البلاغ".
أتوجّه إلى بيت الله الحرام هذه المرّة حاجاً وقد تغيّرت الحال غير الحال، وصار المسلمون في كل مكان كاللقمة السائغة، يأكلهم أعداؤهم وهم ممنوعون من المقاومة، وممنوعون من الصراخ، بل ممنوعون من الألم، لأن رجال النظام العالمي الجديد يريدون أن يتمتّعوا بالأكل، دون أن يشعروا أن هناك من يتألّم فضلاً عن أن يشكو أو أن يصرخ، لأن هذا الألم قد يعكّر عليهم أمزجتهم، لا لإن فيهم بقايا من مشاعر إنسانية ولكن لأنهم يرفعون شعارات الرفق بالحيوان، والظاهر أن هذه المشاعر عندهم بديل عن الرّفق بالإنسان.
عند بيت الله الحرام يضع المسلم كل همومه ومآسيه شخصية كانت أو عائلية أو اجتماعية أو وطنية أو إنسانية، يضعها كلّها بين يدي ربّ العالمين، يشكو إليه، يتضرّع أمام بابه الكريم، يطوف حول الكعبة المشرّفة، يصلّي في مقام إبراهيم أو في أي مكان آخر يتيسّر له في رحاب المسجد الحرام، يسعى بين الصفا والمروة، يهرول بين الميلين الأخضرين. تتنوّع الأعمال الماديّة الظاهرة ولكن الهدف واحد والنيّة واحدة والمقصد أن يطرح المسلم نفسه وآلامه وأشواقه أمام الله تعالى، راغباً في مغفرته وأجره وتسديده، مسلّماً أمره لإرادة الله الواحد الأحد، عسى أن ترتاح نفسه ويطمأنّ قلبه : أَلا بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ.
ماذا أقول في ذلك المكان الطاهر؟
أأشكو إلى الله تعالى نفسي التي بين جنبي، والتي كلّما هممت أن أسلك سبيلاً إلى الله، لعب بها شيطانها وحاولت أن تثنيني عن سبيل الخير وأن تزيّن لي ملذّات الدنيا وراحتها، متذرّعة حيناً بالعمر وقد ناهزت الخمسين، ومحتجة حيناً بالمرض الذي لم أشفَ منه تماماً حتى الآن مع أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقول : "لا راحة للمؤمن إلاّ بلقاء ربّه". ومع أن الصّالحين كانوا يقولون : "لا تقل اللهم خفّف حملي ولكن قل اللهمّ قوِّ ظهري" ولا أزال أردّد هذا القول أمام إخواني في كل مكان وأحثّهم على تحمّل الأعباء بدون كلل أو ملل، ولكن أين أكون أنا أمام هذه القمّة العالية؟
أأشكو إلى الله تعالى أحوال المسلمين في لبنان وقد خرجوا من حرب أهلية عبثية، ولم يتبيّنوا بعد طريقهم إلى الحياة في مرضاة الله؟ الزّعامات الشخصية تتقاذفهم، والحزبيّات المتعدّدة تؤجّج الصّراع بينهم، وكلٌّ منهم يبحث عن لقمة العيش فلا يكاد يجدها، وتحيط به المآسي من كل جانب، فإذا استطاع أن يجد ما يأكل فكيف يستطيع أن يجد ما يتعلّم به، وقد أصبحت نفقات التّعليم تفوق الدّخل المتواضع. وإذا فاجأه المرض هو أو أحد أفراد عائلته فماذا يفعل ونفقات الطبيب والدّواء تسابق الرّيح وتسبقها؟ وإذا أراد أن يزوّج أحد أولاده فماذا يفعل من أجل تأمين مسكن للعائلة الجديدة، وهو لا يجد مسكناً بالإيجار، وإن وجد فإن قيمة الإيجار تزيد أضعافاً مضاعفة عن مقدار الدّخل، أمّا الشّراء فحدّث ولا حرج إذ أن عمل خمسين سنة قد لا يغطّي ثمن شراء مسكن متواضع في حدّه الأدنى.
أمّا الصّحوة الإسلامية في لبنان، فهي وإن كانت في نموّ وتقدّم إلاّ أنّها تشكو من كثير من الإشكالات التي تعرقل سيرها. فالدّخلاء عليها يحاولون تقويضها من الداخل بحيث تبقى شعارات ظاهرة بدون مضمون، وكلاماً منمّقاً بدون محتوى، تزيّن للمسلم الحياة في مجتمع منحرف دون محاولة لتغيير هذا الإنحراف، بعد أن تحوّل الإسلام في نظر هؤلاء إلى تقعّر في الكلام، وممالآت للسلاطين، وسكوت عن المنكر الأكبر الذي يقع فيه أعداء الإسلام أو مخالفوه، وانشغال بما يسمونه منكرات وبدعاً من الأمور الصغيرة التي قد يقع فيها كل مسلم.
ثم انشغال الإسلاميين ببعضهم. وغيابهم شبه الكامل عن ساحة المجتمع، ممّا يجعل الصّحوة الإسلامية حبيسة عند أهلها، ويفقدها جوهرها الذي يقوم على إشاعة الدعوة بين الناس جميعاً بالحكمة والموعظة الحسنة، وإضاءة كل جوانب المجتمع بنور الإسلام العظيم.
أأشكو إلى الله تعالى أحوال المسلمين في فلسطين وقد جعلتهم اتّفاقات الصّلح والاستسلام بين نارين : نار العدوّ الصّهيوني الذي لا يزال يحتلّ فلسطين كلّها، ولا تزال مستوطناته قائمة في منطقة الحكم الذاتي المزعوم في غزة، ممّا يجعل الجماهير المسلمة وجهاً لوجه أمام خيار واحد هو قتال هذا العدوّ حتى التحرير الكامل للأرض المقدّسة التي باركها الله، وبين نار سلطة الحكم الذاتي الهزيل التي رضيت بالقليل من الأرض وبالقليل من السيادة على الأرض، متوهّمة بأنّها ستحصل على المزيد عن طريق السّلام المزعوم. فوجّهت بنادقها ونيرانها إلى شعبها لتمنعه من الجهاد. والشباب المسلم واقع بين هاتين النارين، فلا هو يستطيع أن يخضع لسلطة الحكم الذاتي خوفاً من الحرب الأهلية لأن هذا يؤدّي إلى تعطيل الجهاد، ولا هو يستطيع أن يقاتل الصهاينة قياماً بالواجب الشرعي فيهب رجال الحكم الذاتي الفلسطيني للدّفاع عنهم متسبّبين بحرب أهليّة.
أأشكو إلى الله تعالى أحوال المسلمين في أفغانستان وقد انتهت معركة تحرير البلاد من الاستعمار السوفياتي بانتصار هائل للمجاهدين تُوّج بانهيار كامل للفكر الشيوعي وللاتّحاد السوفياتي السابق. ولكن ما إن انتهت المعركة بهذا النصر الرائع حتّى دبّ الخلاف واستعر بين مجموعات المجاهدين وأدّى إلى حرب أهليّة بشعة لم تكن نتائجها على الشّعب الأفغاني المسلم أقلّ سوءاً من نتائج المعركة مع النظـام الشيوعي. ولا تزال أفغانستان حتى الآن تعاني من ويلات حرب أهليّة لا يُعرف متى تنتهي وكيف تنتهي ... ؟ إلا أن المؤكّد أن النّظام العالمي الجديد لا يريد إتاحة المجال لإقامة حكم إسلامي في أفغانستان، وهو من أجل ذلك يريد امتصاص قوّة المجاهدين بإذكاء الصّراع فيما بينهم، حتّى يتعب الجميع وترتمي أفغانستان من جديد في أحضان أي حكم يخلّصها من قتال لا معنى له، ومن دمار شامل يهدّد البلاد والعباد. ومن المؤسف أن المجاهدين بكل مجموعاتهم وقعوا فريسة هذا الصّراع.
أأشكو إلى الله تعالى وضع المسلمين في الشيشان وقد أرادوا بناء دولة مستقلّة لهم فأبت روسيا إلاّ أن تبقيهم تحت سلطانها وسكت العالم كلّه على ذلك واعتبرها قضية داخلية مما أتاح لروسيا أن تجرّب جيشها وسلاحها ضد شعب صغير لعلّها تحقّق انتصاراً يعيدها إلى أمجادها السّابقة كدولة عظمى، ولكن صمود المسلمين الشيشان منعها من تحقيق هذا الحلم رغم تخلّي العالم عنهم وعجز إخوانهم المسلمين عن مساعدتهم.
أأشكو إلى الله تعالى أوضاع المسلمين في البوسنة الذين يعانون من سنوات آثار العدوان الصربي الذي يريد أن يمنعهم من إقامة دولة مستقلّة والعالم كلّه اعترف بحقّهم في ذلك، ولكنّه وقف متفرّجاً أمام مذابح الصرب، ووقف المسلمون للأسف عاجزين عن مدِّ إخوانهم بمساعدة فعّالة.
أأشكو أوضاع الأقلّيات الإسلاميّة في أوروبا وأمريكا التي تتعرّض لمحاولات دائبة من أجل تذويبها ومحو شخصيّتها، وإذا رفضت تتعرّض لهجمة عنصريّة شرسة تتّهمها بالأصولية أو التّطرّف أو الإرهاب من أجل تبرير عملية احتوائها أو إبعادها عن التّأثير في تلك المجتمعات.
الإسلام يتحرّك في كل مكان في العالم .. فهو كالماء الذي يغلي ويهدّد بإحراق كل من يمد يده إليه.
في رحاب بيت الله الحرام، حول الكعبة المشرّفة وعلى جبل عرفات سأجأر إلى الله تعالى بالدّعاء أن يطهّر قلوب المسلمين جميعاً من كل حقد وبغضاء، وأن يعيننا على إنقاذ أنفسنا من نزغات الشّياطين وأوحال الدّنيا، وأن يجمع قلوب الجميع في وحدة إسلاميّة متراصّة تجعلنا نقف معاً ضدّ كل عدوّ يريد أن يحرمنا حقّنا في الحياة أو حقّنا في الحرّية أو حقّنا في تقرير المصير، واختيار النّظام الذي يحكمنا، واختيار الحاكم الذي يدير شؤوننا وفق هذا النظام.
في رحاب بيت الله الحرام، سأجأر إلى الله بالدّعاء أن يحفظ إخواننا المسلمين في فلسطين من شرور حرب أهليّة تخطّط لها إسرائيل، وتنفّذها السّلطة الفلسطينية المزعومة. سأجأر إلى الله بالدّعاء أن يحفظ إخواننا المسلمين في الشيشان وفي البوسنة وأن يمكّن إخوانهم المسلمين أن يمدّوا لهم يد المساعدة من أجل تقرير مصيرهم الذي يريدون. سأجأر إلى الله بالدّعاء أن يحفظ كل مسلم على ظهر الأرض عزيزاً كريماً، وأن يحفظ الدعاة إلى دينه في كل مكان، وأن يهبهم الحكمة، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً. سأجأر إلى الله بالدّعاء أن يجعل وحدة المسلمين الظّاهرة خلال مناسك الحجّ يستظلّ بها المسلمون جميعاً على اختلاف أجناسهم وألوانهم ودولهم ومذاهبهم، أن يجعل هذه الوحدة الموسميّة، وحدة دائمة كاملة تحفظ للمسلمين دينهم وكرامتهم وحقوقهم، وتعيد لهم دورهم في إنقاذ البشرية وهدايتها إلى صراط الله المستقيم وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطَاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدَاً.