سماحة الشيخ فيصل مولوي
             
اتصل بنا   اهداف الموقع   فتاوى و احكام   فيصل المولوي في سطور  
إبحث في الموقع  
   
واجب المسلم حيال إعادة تكوين الدولة الإسلامية الموحّدة  -
الموضوع التحكيم الإسلامي  -
واجب المسلم حيال إعادة تكوين الدولة الإسلامية الموحّدة  -
التحكيم الإسلامي  -
الزواج من كتابية  -
الطلاق بالكتابة والطلاق بالإكراه  -
المطلوب لبناء مجتمع إسلامي في بلاد الغرب  -
حكم الإختلاط  -
حكم القتال مع الجيش الأمريكي  -
صرف الزكاة في باب (في سبيل الله)  -
الوفاء بالشرط  -
حكم تطليق القاضي غير المسلم  -
طلاق مدمن الخمر  -
تسهيل القرض الربوي للزبون المسلم  -
الاقتراض بالربا لشركة ربحية تقوم بعمل إسلامي  -
الطلاق المعلّق على شرط  -
الطلاق البائن والتحليل  -
الإضراب عن الطعام  -
تحيّة الإسلام  -
الشهود شرط لصحة عقد الزواج  -
الميراث إن كان فيه حرام  -
فضل المساجد والنهي عن التشويش والأذى فيها  -
الامتحان وقت صلاة الجمعة  -
فتاة مخطوبة... تراسل شاباً أجنبياً  -
إجراء التجارب على الحيوانات  -
مشروع بناء مدرسة اسلامية في كندا  -
حكم زراعة أعضاء الخنزير في جسم الإنسان  -
الزواج من فتاة أعلنت إسلامها حديثاً  -
   
 
التعصب و الطائفية

بســــــــــم الله الرحمن الرحيـــــــــم

في البلاد التي تتعدد فيها الأديان يظهر نوعان من الأمراض :
الأول : النفاق
الثاني : التعصّب

الطائفية : هي التعصّب للطائفة

وكلامنا اليوم محصور بالمرض الثاني وهو التعصّب أو الطائفية. إنني أعتقد أن الرئيس الهراوي _ وسائر مؤيدي مشروع الزواج المدني ينطلقون من فهم لهذا المصطلح غير صحيح، ويسيرون في طريق يضرمون فيه نيران التعصّب وهم يحسبون أنهم يطفئونها. ولعلنا نستطيع من خلال حوار موضوعي علمي أن ندرس هذه الظاهرة الاجتماعية (الطائفية) ونحلل أسبابها ونتوافق على كيفية معالجتها والقضاء عليها.

1. الطائفية : هي التعصّب للطائفة. وهو يظهر بصورتين :

الأولى : التعصّب لفكر الطائفة أو دينها :
ولا بد أن نشير إلى أن التمسّك بفكر معيّن أو بدين معيّن أياً كان لا يعتبر تعصّباً. بل هو حق طبيعي من حقوق الإنسان، ناتج عن حرية الاعتقاد التي منحها الله تعالى لعباده {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ} وأقرتها الاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان، وجميع دساتير الدول المعاصرة.
التعصب هنا هو نفي الفكر الآخر أو إلغاء الدين الآخر. وأنا أميل إلى تسميته التطرف الفكري بدل التعصب. إن الأساس الصحيح في العلاقات بين الأفكار وبين الأديان هو الحوار لا الصراع، والإقناع لا الاقتتال. وكلّما أتيحت فرص الحوار، وكلما حافظت السلطات القائمة على الحريات الفكرية والدينية، وكلما شعر الإنسان بحريته في التعبير عن أفكاره، خفّت الأسباب الداعية إلى هذا التعصب أو التطرف الفكري.

الثانية : التعصّب لأهل الطائفة والمنتمين إليها :
ومعناه أن تساعد ابن طائفتك ضد الآخرين ولو كان الحق معهم.
هذا التعصب تنكره الأديان _ باستثناء ما هو معروف عند اليهود من التمييز بين أبناء دينهم وسائر الناس _ والإسلام بالذات ربّى أتباعه على التزام الحق. قال تعالى : {... وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىَ أَلاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ …} سورة المائدة، الآية 8. أي لا يحملنّكم بغض قوم على أن لا تعدلوا معهم. اعدلوا هو أقرب للتقوى. وقال صلى الله عليه وسلم : (أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. قالوا : ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ قال : تأخذ على يده، فذلك نصرك إيّاه)

2. الجماعات الدينية هي أساس تكوين المجتمع اللبناني :
التعصب ليس حكراً على الدين أو المذهب أو الطائفة. بل هو ظاهرة يمكن أن تشمل كل الجماعات البشرية كالعائلة والقبيلة والقوم والأمة، وكذلك النقابة والجمعية والحزب والحي والقرية والمدينة وغير ذلك.
إن المجتمع الوطني ينتظم عادة مجموعة من الروابط الاجتماعية. إنه انتماء عام ينطوي على مجموعة انتماءات فرعية أو خاصة تضم الأفراد، وتجمعهم في دوائر متداخلة ومتشابكة. فالمواطن في لبنان مثلاً له انتماء إلى عائلة معينة، وإلى قرية معينة، وقد يكون منتمياً إلى جمعية خيرية أو إلى حزب سياسي، أو إلى نقابة أو إلى جمعية لأصحاب مهنة معينة، وهو في جميع هذه الحالات منتم إلى إحدى الطوائف الدينية.
ولا أكون مبالغاً إذا قلت إن أهم الجماعات التي يتألف منها المجتمع اللبناني على الإطلاق هي الجماعات الدينية، لأنها تقوم على عقيدة، والعقيدة حين توجد تكون المحرك الأقوى في حياة الإنسان. أما الأحزاب سواء كانت عقائدية أو سياسية فهي بلا شك أقل تأثيراً في حركة المجتمع اللبناني من الجماعات الدينية. يلاحظ ذلك من له أدنى اطلاع على الأوضاع اللبنانية.
ومن أجل ذلك فإن الدستور عندما أراد أن يشير إلى تكوين المجتمع اللبناني ذكر الأديان والمذاهب والملل وكفل لها حرية إقامة الشعائر الدينية واحترام أنظمة الأحوال الشخصية.
قد يوجد فكر ديني متطرف هنا أو هناك، ليس هذا موضوع البحث، ولا أريد أن أدافع عنه، ولا أن أحلل أسبابه لأني أعتقد أن مثل هذا الفكر ليس هو الخطر على المجتمع اللبناني، لا الآن ولا في المستقبل، طالما أن الحريات تتيح له التعبير عن نفسه، فهو إما أن يعتدل، وإما أن يرفضه الناس الذين ظهرت قناعاتهم جميعاً بالعيش المشترك في هذا المجتمع المتنوع.
ولكن الخطر هو في التعصب للجماعات الدينية أو ضدها على حساب الحق والعدل. وهو الذي تكرسه في لبنان الطائفية السياسية.

3. أسباب التعصّب الطائفي :
أ. الشعور بالعدوان : إن ما يوجد التعصب لدى أي جماعة هو ما يلحقها من عدوان، أو افتقادها للشعور بالأمن. إن حق أي جماعة في المحافظة على نفسها وأفرادها مسألة غريزية، وإذا أنكرنا هذا الحق نكون ظالمين أو غافلين. ولن ينتفي هذا الحق لمجرد أن ينكره الآخرون، بل إن جحوده أو إنكاره هو السبب الحقيقي للتعصّب له والإصرار عليه.

ب. فقدان الأمن الجماعي يساهم أيضاً في إيجاد التعصب. وهو يكون عندما تتهدد مصالح الجماعة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، أو يتهدد وجودها المادي أو المعنوي، هنا تظهر العصبية أقوى ما تكون، وتقوى نزعة الغلو والتطرف.
ومن هنا كان مشروع الرئيس الهراوي لاقتراح قانون اختياري موحد للأحوال الشخصية، وربطه برسالة وجهها الرئيس للمجلس النيابي من أجل تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية هو السبب في إثارة روح التعصب ضده. ولم يكن هذه المرة تعصب جماعة دينية ضد أخرى. إنما كان تحرك الجماعات الدينية للدفاع عن نفسها ضد الجماعات اللادينية، التي تريد تحت غطاء الحرية أن تخلخل أنظمة الطوائف الدينية المتعلقة بالأحوال الشخصية، وأن تميع الالتزام بها من أتباعها، تمهيداً لإقرار قانون إلزامي موحد تلغي به حرية المتدينين في أنظمة أحوالهم الشخصية. هنا شعر المتدينون إجمالاً والمسلمون خاصة بالعدوان ضد دينهم. صحيح أن الرئيس الهراوي ومؤيدوه صرحوا مراراً أنهم يحترمون الأديان، ولكن من يصدق هذا الكلام إذا كان واقع المشروع يخالف الإسلام صراحة وهذا لا حاجة لنا للتدليل عليه بعد أن أكده جميع علماء المسلمين، وإذا كان المشروع يشجع المسلمين على انتهاك أحكامهم الدينية تحت ستار الحرية، وهذا يؤدي حتماً إلى خلخلة المجتمع الإسلامي، مما يدعوه للدفاع عن نفسه. ومهما اعتبر رفض المشروع تعصباً فهو في الحقيقة دفاع عن النفس والوجود، وهو حق طبيعي ولو أنكره بعض الناس.

ت. عدم وجود مشروع وطني واحد وواضح :
إن لبنان وطن يتألف من مجموعة من الطوائف. هذا هو واقعه. وهكذا يؤكد دستوره..
لكل من الطوائف مساحتها الخاصة تمارس فيها خصوصياتها ضمن ساحة المجتمع العامة..
والوطن الواحد هو تلك المساحة المشتركة التي تجمع جميع الطوائف..
والعلاقة بين الوطن وطوائفه يمكن أن تكون علاقة صراع، وذلك حين تريد السلطة توسيع المساحة الوطنية المشتركة على حساب خصوصيات الطوائف، أو حين تريد الطوائف توسيع مساحتها الخاصة على حساب المساحة المشتركة.
وتكون العلاقة بين الوطن _ بالسلطة السياسية التي تمثله _ وبين الطوائف علاقة توافق وتكامل حين تكون الحدود واضحة بين المساحة المشتركة والمساحات الخاصة، ويرضى كل من الطرفين بمساحته المحددة.
ودستور لبنان منذ قيامة يحدد مساحة الطوائف الخاصة بأمور العبادة والأحوال الشخصية. وهذا يعني ضمناً أن كل ساحات المجتمع الأخرى هي ساحات وطنية مشتركة. ولكن الأعراف والدستور قضت بتوزيع أهم المناصب السياسية توزيعاً طائفياً، فوسعت مساحة الطوائف خارج نطاق العبادة والأحوال الشخصية، بحيث تداخلت مع المساحة الوطنية المشتركة، بل وتغلبت عليها.
هذا الدستور لم يحم المجتمع المدني في لبنان من خضّات طائفية متكررة كما هو معلوم. واعتبر أكثر اللبنانيين أن الطائفية السياسية هي سبب هذه الخضّات فطالبوا بإلغائها. وأقر الدستور اللبناني بعد اتفاق الطائف ضرورة السعي لذلك عن طريق إنشاء الهيئة الوطنية التي تدرس الخطوات الطبيعية المؤدية لذلك.

إن مشروع القانون الموحد للأحوال الشخصية ـ ولو كان اختيارياً ـ ينقل القضية من معالجة مشكلة الطائفية السياسية التي تطال كل لبناني في حقوقه الإنسانية والوطنية، والتي تتعلق بالمساحة المشتركة بين الطوائف، إلى نطاق إعادة النظر في توزيع المساحات، وانتزاع مسألة الأحوال الشخصية من خصوصيات الطوائف إلى ساحة الوطن المشتركة. أي أنه يؤدي إلى فتح صراع جديد بين الوطن والطوائف التي يتألف منها، وهو صراع لا يمكن أن يكون في مصلحة الوطن إذا نظرنا إلى واقع المجتمع اللبناني.
صحيح أن مثل هذا الصراع في بلاد الغرب إجمالاً انتهى إلى انتزاع مسألة الأحوال الشخصية من مساحة الطوائف الخاصة، وإلحاقها بساحة الوطن المشتركة وإخضاعها للتشريع المدني. ولكن المجتمع اللبناني ليس مجتمعاً غربياً، وليس مجتمعاً مسيحياً. بل هو مجتمع مختلط يمثل المسلمون فيه أغلبية عددية ولو لم تكن طاغية، وهو جزء من المجتمع العربي الكبير الذي لا يزال يخضع في أحواله الشخصية للأحكام الشرعية.
إن الصراع بين الوطن والطوائف إذا حصل في لبنان، لن يكون بالنسبة للمسلمين على الأقل إلا لمصلحة الإسلام. والرابطة الوطنية عند المسلم تضعف وتتلاشى إذا تعارضت مع الإسلام، وهي تقوى كثيراً إذا كانت متوافقة معه، وتصل إلى حد الشهادة كما هي حال المقاومة الإسلامية في الجنوب.
إن مصلحة الوطن أن لا يدخل في صراع مع الطوائف، وخاصة مع المسلمين.
وإن البحث عن مشروع وطني واحد وواضح يجمع اللبنانيين جميعاً في ساحة مشتركة هو الذي يحسم الأمر لمصلحة الوطن.
والمشروع الوطني لا يمكن أن يكون مستورداً أبداً. والمشروع الوطني في الغرب الذي قام على أسس معينة _ منها الزواج المدني ـ ليس بالضرورة صالحاً ليكون مشروعاً وطنياً للبنان. بل هو حتماً غير صالح في نظرنا على الأقل.
والمشروع الوطني لا يقوم على مجموعة سلبيات (أن يتنازل المسلمون عن الوحدة العربية، وأن يفك المسيحيون ارتباطهم بالغرب).
المشروع الوطني يقوم في نظرنا على مسائل إيجابية :

أولها : القضايا المشتركة بين الطوائف ومنها الإيمان بالله وبيوم القيامة، واحترام الأخلاق والقيم ..
ثانيها : المساحة المشتركة التي تتناول الشؤون الوطنية العامة وهي كثيرة جداً.
ثالثها : احترام خصوصيات الطوائف وأهمها عند المسلمين بإطلاق مسألة الأحوال الشخصية.

إننا ندعو إلى ميثاق جديد، يقوم على مشروع وطني جامع، ينطلق من واقع الطوائف إلى ساحة الوطن، ويشعر معه كل لبناني أن الدين والوطن يتكاملان في صدره ولا يتعارضان.
نحن لا نفرط بوطننا لبنان، ونحرص على خيره..
ولا يمكن أبداً أن نفرّط بديننا، أو نتنازل عنه..

هذه هي المعادلة عندنا ..

 
  الصفحة الرئيسية  
     
  كتب و مؤلفات  
   
  ندوات و محاضرات  
   
  كلمات و مؤتمرات  
   
  محاضرات و خطب صوتية  
   
  مقابلات صحفية  
   
  حكمة اليوم  
   
   
انضم لقائمة البريد
 
 
 
السيرة الذاتية لسماحة المستشار الشيخ فيصل مولوي
 
جميع حقوق الطبع و النشر محفوظة - mawlawi.net © 2004  - Best Viewed 1024 * 768